وصفت منظمة «مراسلون بلا حدود» الحكم الصادر بإغلاق موقع «مدى مصر» الإخباري المستقل واحتجاز رئيسة تحريره المشاركة في التأسيس، لينا عطا الله، بأنه «إعلان حرب على الصحافة المستقلة»، وذلك بعدما أمرت محكمة مصرية، في 27 أكتوبر، بإغلاق الموقع ومصادرة أصوله وتغريمه ثلاثة ملايين جنيه مصري. وأدانت المنظمة ما وصفته بـ«المهزلة القضائية»، مطالبة بإلغاء الحكم الجائر والإفراج عن عطا الله، الحائزة جائزة الشجاعة في الصحافة التي تمنحها المنظمة عام 2020.
وفي تقرير نشرته منظمة «مراسلون بلا حدود»، أوضحت المنظمة أن الحكم يأتي بعد شهر من اعتقال صحفيين يعملون في موقع «متصدقش» المتخصص في التحقق من المعلومات، في إطار ما وصفته باستمرار حملة السلطات المصرية بقيادة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي على الصحفيين. وأضافت المنظمة، في تحديث نشرته في اليوم نفسه، أن السلطات أفرجت عن لينا عطا الله بعد احتجازها لأكثر من سبع ساعات.
إغلاق «مدى مصر» وتغريمه ثلاثة ملايين جنيه رغم محاولات الترخيص
على مدى سنوات، سعى السيسي، وفقًا لتقرير المنظمة، إلى التضييق على «مدى مصر»، قبل أن تصدر محكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة القاضي محمد مبارك، حكمًا بإغلاق الموقع المستقل ومصادرة أصوله، إلى جانب فرض الغرامة القصوى البالغة ثلاثة ملايين جنيه مصري، أي ما يزيد على 50 ألف دولار أمريكي.
وأدانت المحكمة لينا عطا الله بتهمة «إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص»، رغم اتخاذ «مدى مصر» جميع الخطوات اللازمة للحصول على الترخيص منذ عام 2018، من دون أن تتلقى إدارة الموقع ردًا من السلطات، حتى بعد تقديم طعن قانوني.
واحتجزت السلطات عطا الله، الشريكة في تأسيس الموقع ورئيسة تحريره، رغم سدادها الغرامة، بحسب المعلومات التي أوردتها المنظمة وقت نشر التقرير. كما تواجه اتهامات وصفتها المنظمة بأنها لا تستند إلى أساس، تتعلق بـ«نشر أخبار كاذبة»، وهي اتهامات سبق أن دفعتها إلى الخضوع للاستجواب لأكثر من ست ساعات في 21 أكتوبر، بالتزامن مع انعقاد «منتدى مصر»، وهو مهرجان وطني يهدف إلى استعراض إنجازات عبد الفتاح السيسي.
ونقل جوناثان داغر، رئيس مكتب الشرق الأوسط في منظمة «مراسلون بلا حدود»، أن «مدى مصر» يمثل مصدرًا أساسيًا للمعلومات المستقلة لملايين القراء في مصر والعالم، مشيرًا إلى أن الموقع، تحت قيادة عطا الله، أصبح منارة لحرية الصحافة في منطقة يتعرض فيها الصحفيون للاستهداف باستمرار.
وأضاف داغر أن الموقع ينبغي أن يكون مصدر فخر لمصر وأن يحظى بالتقدير بسبب عمله الصحفي، بدلًا من إصدار قرار بإغلاقه بعد سنوات من الترهيب. وأكد أن صدور القرار عن محكمة لا يغير من طبيعته الجائرة، خصوصًا أن الإدانة جاءت عقب محاكمة صورية شابتها مخالفات خطيرة وصارخة.
محاكمة تفتقر إلى ضمانات الدفاع تثير اتهامات بمهزلة قضائية
لم تقتصر انتقادات المنظمة على الحكم والعقوبة، بل امتدت إلى الإجراءات القضائية التي وصفتها بالمثيرة للسخرية. فبحسب «مدى مصر» وصحفي حضر الجلسة، طلب محامي الدفاع من القاضي مهلة إضافية لفحص ملف القضية والاتهامات الواردة فيه.
وبعد رفع الجلسة لفترة وجيزة، أعلن القاضي رفض جميع دفوع الدفاع، بما فيها طلبات تقديم مستندات أو استدعاء شهود، قبل أن تتاح للمحامين فرصة الرد، وفقًا لما أورده الموقع.
وعندما رفض المحامون تقديم مرافعاتهم الختامية في ظل هذه الظروف، اتخذ القاضي خطوة وصفها التقرير بالصادمة، إذ عيّن محاميًا آخر لتمثيل عطا الله رغم اعتراضها، قبل أن يصدر حكم الإدانة.
وقال الصحفي الذي تحدث إلى «مراسلون بلا حدود»، طالبًا عدم الكشف عن هويته، إن ما جرى «إعلان حرب على الصحافة المستقلة».
ودعت المنظمة القاضي إلى التراجع فورًا عن القرار والإفراج عن عطا الله، كما طالبت السلطات بإطلاق سراح زملائها الستة العاملين في «متصدقش»، المحتجزين منذ شهر، إلى جانب 20 صحفيًا آخر من زملائهم لا يزالون رهن الاحتجاز، بحسب ما جاء في بيانها.
«مدى مصر» رمز لحرية الصحافة في مواجهة التضييق المستمر
نشر «مدى مصر» أولى مواده في 30 يونيو 2013، وسط موجة من الاحتجاجات، قبل ثلاثة أيام من الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في تحرك قاده عبد الفتاح السيسي. ومنذ انطلاقه، دأب الموقع على نشر مواد صحفية باللغتين العربية والإنجليزية، ملتزمًا، وفق تعريفه، بتقديم صحافة ذكية وجذابة، رغم حظره داخل مصر منذ عام 2017.
وتعرض العاملون في الموقع لضغوط أمنية وقضائية متواصلة. ففي نوفمبر 2019، اقتحمت قوات الأمن مقره وألقت القبض على أربعة من أعضاء فريقه. وفي أغسطس 2025، أفادت منظمة «مراسلون بلا حدود» بفتح خمس دعاوى قضائية ضد الموقع خلال خمس سنوات.
وكانت لينا عطا الله من بين الصحفيين الذين طالبوا بالإفراج عن الصحفيين الستة العاملين في موقع «متصدقش» للتحقق من المعلومات، والذين اعتُقلوا في أواخر سبتمبر.
وترى «مراسلون بلا حدود» أن الحكم الأخير يشكل تصعيدًا خطيرًا ضد الصحافة المستقلة في مصر، لا سيما في ظل استمرار الملاحقات القضائية والاحتجازات التي تطال الصحفيين. وطالبت المنظمة بإلغاء الحكم والإفراج عن الصحفيين المحتجزين، مؤكدة أن حرية الصحافة حق أساسي لا ينبغي تقويضه عبر إجراءات قضائية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.

